11 يوليو 2011

صرخـــات القمــر،،!!

>>>>


لم يكن اكتمال القمر ذاك المشهد الرمانسي؛ الذي يشع البهجة والفرحة بين ثنايا القلوب العاشقة، بضياءه الفضية الأنيقة، وطلته المبتسمة عادة!!.. هنـا تبدل الحال؛ فما إن تأتي ليلة المنتصف من الشهر وتكتمل إستدارة البدر؛ حتى تصبح تلك الحارة كمدينة الأموات!!؛ يختبئ جميع سكانها بمنازلهم.. ملزمين أنفسهم وأطفالهم بالنوم الإجباري قبل منتصف الليل، وإلا سمعوا أسوء سمفونية على الأطلاق!

في بادئ الأمر كانت تلك الصرخات تجعل الناس تهرع لنوافذها وشرفاتها ليعرفوا من أين يأتي الصراخ وما هي أسبابه؟!،، فقد يكون إستغاثة أو مصيبة قد أحلت على أحد الجيران!... لكن بمرور الشهور وليال الاكتمال المتتالية بات الأسلم لهم النوم الإلزامي أو الهروب من الحارة بأكملها بهذا اليوم قبل منتصف الليل!؛ فمشهد منزل نوار وصرخاتها والأبخرة مخيفة اللون المتصاعدة منه.. تجعل الواقع أشبه بأفلام الرعب ذات التصوير الإحترافي، والأسوء من الصراخ هو عزف جلال -أو جاليليو كما يلقبه الجميع-، فقبل أن تدق الساعة الثانية عشر ليلاً؛ يبدأ هو بألحانه العالية على ذاك (البيانو) القديم، وكأنه يمني نفسه بقطع ألسنة الصراخ بسيف اللحن، ولكنها محاولات دون جدوى؛ فلا الصرخات تقتل، ولا هو يكف عن العزف!!

عندما يأتي الصباح على تلك الليلة، تدمي هيئة نوار قلوب نساء الحارة وتثير شفقتهن، رغم كل ما فعلت بالماضي!؛ تظهر منتفخة الأعين، وأثر الاحمرار على كل جسدها المرمري، إلا رقبتها ووجهها فتكثر بهم الجروح؛ تلك التي تشبه ما تحدثها مخالب الطيور الجارحة، حتى ذاك الشعر الأشقر الذهبي متوهج اللمعة؛ يصبح كالنحاس الذي تكلس!!، وقد نست كل ما حدث لها بليلة أمس!، وبمجرد أن يبدأ القمر بطريقه للمحاق، تعود هي لطبيعتها وجمالها الباهر؛ الذي جعلت منه لعنة أصابت كل رجال الحارة منذ أن كانت بالعشرين من عمرها، وقبل أن تصبح البطلة لفيلم الأشباح المقمر!

كانت هوايتها المفضلة -والتي أصبحت أشبه بالحالة المرضية- هي إغواء الرجال المتزوجين من حولها، تنصب لهم شباك سحرها الطاغي، وتحكم الإمساك بالضحية!، وبرغم سوء سمعتها إلا أنها تنجح كل مرة بجمالها الذي لا يقهر، ولربما لغباء ضحاياها!!، وقتها تسلب الرجل عقله.. فماله.. فكرامته، وتتلذذ بإذلاله أمام زوجته وأولاده!، وكانت أقرب الليالي لقلبها هي الليلة المقمرة، فكم من بيوت هدمت بيوم اكتمال القمر بسببها!، حتى إن نساء الحارة تقولن أن ما يحدث لها مؤكد بسبب أرواح بعض الزوجات اللاتي متن بحسرتهن على حياتهن التي دمرت على يدها.. خلال الخمسة عشر عاماً الماضية!، واخترن تلك الليلة لينتقمن منها كل شهر!،، وجاء هذا السبب منطقياً ومقبلولاً للجميع، فلا يوجد تفسير آخر يصلح لما يصيبها شهرياً!

عندما جاء جاليليو ليسكن بالحارة منذ ما يقرب من الخمسة أعوام، كان قد تخطى الخمسين من عمره وقد صـُبغ شعره بماء الفضة، ووقع بعشق نوار بنفس العام تقريباً الذي أتى به، فعندما كان القمر مكتملاً بالسماء؛ ينثر ماءه ماسية اللون على الطرقات الخاوية من المارة، كان هو واقفاً متأملاً لسحره!، ولكن ما إن خرجت هي من شرفتها حتى اختبئ البدر خلف السحاب!، وجهها القمري وجسدها المشع نوراً جعلا الليل أكثر ضياءاً وتالقلاً، حتى إن شلالات الفضة التي جرت من عندها بالأعلى للطرقات الخالية، محت أي أثر لماء القمر!! وقد غرق بعشقها حد الجنون من ليلتها!، ولكنها تعمدت صده بكل السبل الممكنة!

يقول بعض سكان الحارة أنها أحبته هي الأخرى، ولكنه أعزب وهي لا تجد متعتها المحرمة إلا بخراب البيوت!، ويقول البعض الآخر إنه فقير؛ فما هو سوى عازف (بيانو) يُطلب على فترات متباعدة لإحياء حفلات مَن تبقى مِن الطبقة الأرستقراطية بالبلاد، فلن يغيرها به شيئاً مقارنة بالتجار والمعلمين أسياد تلك المنطقة!، ولكنهم أتفقوا جميعاً على أن قلبه يتمزق عليها كل ليلة يكتمل بها القمر،، فيظل يعزف حتى لا يسمع صراخها المدوي؛ المخيف لهم والمعذب له!، حتى أنه الوحيد الذي تجرأ ليصعد لمنزلها بإحدى الليال السوداء، ليعرف ما الذي يحدث ويحاول انقاذها!، وبمجرد أن صعد ازداد الصراخ وازدادت كثافة الأبخرة المخيفة، ووجد نفسه دون إرادة منه داخل منزله مغشياً عليه.. بعد عدة سويعات!، مما جعل فكرة انقاذها أو الصعود لها بعيدة وغير واردة على أذهان سكان الحارة منذ تلك الوقعة!

وفي إحدى الليال المخيفة، وبرغم النوم الإلزامي على السكان مبكراً بتلك الليلة!، إلا أنهم تجمدوا خوفاً داخل منازلهم، فقد كان العزف يشبه نعيق البوم!، والصرخات تعلو تارة... وتارة أخرى تتحول لضحكات عالية ذات صدى أعلى من مصدرها!،، ثم أصبحت ألحان جاليليو تصرخ هي الأخرى بعزف مرعب!، وكأنه يتألم،، يتعذب!!،، ثم فجأة صرخة مدوية لا يعلم أحد مصدرها.... وعم السكون المكــان!!

ظل الجميع كالفئران بجحورهم حتى بزوغ أول خيوط الصباح، فهرع الكل للشرفات؛ وكانت الأبخرة تتصاعد من نوافذ نوار وجاليليو على حد سواء!، نزلوا لمنزله بسرعة ليطمئنوا عليه، صعدوا سلمه.. طرقوا الباب.. لم يفتح.. فحطموه!، وجدوا جثته ملقاه على (البيانو) المحطم ممسكًا بيديه بقايا أوراق قديمة صفراء اللون، مكتوب عليها طلاسم غير مفهومة، وقد أبيضت عيونه وأصبحت متكورة كالبدر!، بعضهم أفزعه المشهد وفر هاربًا، وبعضهم قرر حمله لغرفة نومه ووضعه على سريره، فوجدوا عليه جثة نوار برداء فضي اللون!

-تمت-



هناك 6 تعليقات:

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. احساس صعب اوى لكنه قوى ابهرتنى المدونة باكملها تحياتى لك تقبل زيارتى الاولى وليست الاخيرة باذن الله

    ردحذف
  3. اندمجت جدا فيها .. و ده المطلوب من القصص القصيرة ..
    رائعة !!

    ردحذف
  4. قصة قد تكون مرعبة
    بطلة مريضة تفرق الازواج ثم نجد الرعب الحقيقي هو انها لها قلب ينبض
    قلب خلف جبال شهوة الخراب
    قلب يعاني وحيدا في جسد ابى ان يحيا الا ملعونا
    انها لعنة اصابت الجميع الازواج المتفرقة والبطلة غريبة الاطوار ثم العازف المسكين الذي كالبقية بهرته وملكت قلبه لكن كي يصل الى قلبها لا بد ان يعبر جبال الشر ومن يعبر جبال الشر لا بد ان يخسر شيئا ما حياته وحياتها
    سردك رائع كعادتك
    تحياتي لكي

    ردحذف
  5. قصة رائعة
    لا اعرف مصدر جاذبيتها
    سلم قلمك

    ردحذف
  6. دائما وراء القناع الشرير يوجد قلب ابيض اللون حالها كحال الؤلؤ فهو يوجد في بقاع و في قعر البحور المظلمة لكن الؤلؤ لا يتاثر بظلمة البحر و لا بوحشة البحر و هنا جاء دور المحب المجنون الذي ايقن ان هناك قلبا ابيض وراء ذلك السواد المحيط بالبطلة فحاول ان يلمسه لكن عندما لمسة كانت الواقعة المفجعة .................................

    ردحذف

خلل براحتك من غير انتظار .. فتافيت أصلاً بتحب الخيار